فوزي آل سيف
117
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
الأحاديث مجهولة، وإن كانت علائمها لا تخفى)، كما أخبره أن نهايته ستكون الشهادة في خط الولاية.. هلموا لنسمع الحديث منه وننصت: عن عمرو بن الحمق قال: " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِسَرِيَّةٍ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ تَبعَثُنا ولَيسَ لَنا زادٌ، ولا لَنا طَعامٌ، ولا عِلمَ لَنا بِالطَّرِيقِ، فَقالَ: «إنَّكُم سَتَمُرُّونَ بِرَجُلٍ صَبِيحِ الوَجهِ، يُطعِمُكُم مِنَ الطَّعامِ، ويَسقِيكُم مِنَ الشَّرابِ، ويَدُلُّكُم عَلى الطَّرِيقِ، وهُوَ مِن أهلِ الجَنَّةِ»، فَلَمّا نَزَلَ القَومُ عَلَيَّ جَعَلَ يُشِيرُ بَعضُهُم إلى بَعضٍ ويَنظُرُونَ إلَيَّ فَقُلتُ: ما بِكُم يُشِيرُ بَعضُكُم إلى بَعضٍ، وتَنظُرُونَ إلَيَّ؟ فَقالُوا: أبشِر بِبُشرى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنّا نَعرِفُ فِيكَ نَعتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَأخبَرُونِي بِما قالَ لَهُم: فَأطعَمتُهُم، وسَقَيتُهُم، وزَوَّدتُهُم، وخَرَجتُ مَعَهُم حَتّى دَلَّلتُهُم عَلى الطَّرِيقِ ثمَّ رَجَعتُ إلى أهلِي فَأوصَيتُهُم بِإبِلِي ثُمَّ خَرَجتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَقُلتُ: ما الَّذِي تَدعُو إلَيهِ؟ فَقالَ: «أدعُو إلى شَهادَةِ أن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البَيتِ، وصَومِ رَمَضانِ» فَقُلتُ: إذًا أجَبناكَ إلى هَذا، فَنَحنُ آمِنُونَ عَلى أهلِنا، ودِمائِنا، وأموالِنا؟ قالَ: نَعَم، فَأسلَمتُ، ورَجَعتُ إلى قَومِي، فَأخبَرتُهُم بِإسلامي، فَأسلَمَ عَلى يَدَيَّ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنهُم فَبَينَما أنا عِندَهُ ذاتَ يَومٍ، فَقالَ لِي: «يا عَمرُو هَل لَكَ أن أُرِيَكَ آيَةَ الجَنَّةِ؟ يَأكُلُ الطَّعامَ ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويَمشِي فِي الأسواقِ»، قُلتُ: بَلى بِأبِي أنتَ قالَ: «هَذا، وقَومُهُ آيَةُ الجَنَّةِ[346]»، وأشارَ إلى عَلِيِّ بنِ أبي طالب وقالَ لِي: «يا عَمرُو، هَل لَكَ أن أُرِيَكَ آيَةَ النّارِ؟ يَأكُلُ الطَّعامَ ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويَمشِي فِي الأسواقِ؟» قُلتُ: بَلى، بِأبِي أنتَ قالَ: «هَذا وقَومُهُ آيَةُ النّارِ» وأشارَ إلى رَجُلٍ، فَلَمّا وقَعَتِ الفِتنَةُ، ذَكَرتُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَفَرَرتُ مِن آيَةِ النّارِ إلى آيَةِ الجَنَّةِ، وتَرى بَنِي أُمَيَّةَ قاتِلِيَّ بَعدَ هَذا؟ قُلتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعلَمُ قالَ: واللَّهِ، لَو كُنتَ فِي جُحرٍ فِي جَوفِ جُحرٍ لاستَخرَجَنِي بَنُو أُمَيَّةَ حَتّى يَقتُلُونِي حَدَّثَنِي بِهِ حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله «أنَّ رَأسِي أوَّلُ رَأسٍ تُحتَزُّ فِي الإسلام، ويُنقَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ»[347] وهذا الحديث من الأهمية بمكان في التعرف على شخصية ابن الحمق فإنه يشير إلى بداياته المبكرة قبل الإسلام، وإلى طريقة إسلامه، وإلى احتفاء رسول الله صلى الله عليه وآله به، وتعيين المنهج الخاص الذي سيسير عليه وهو منهج الولاية لعلي عليه السلام، وأخيرا يعرّفه بكيفية نهايته بالشهادة السعيدة، وبأنه سيحمل بأمر آية النار رأسه من بلد إلى بلد! ومعرفته بآية الجنة جعلته يوجه بوصلة حياته تبَعًا لتوجيهات أمير المؤمنين عليه السلام، وهو في ذلك ينبعث عن وعي لا عن عاطفة أو عصبية، وقد عبر عن ذلك في كلامه أمام أمير المؤمنين عليه السلام في حرب الجمل: « والله يا أمير المؤمنين، إنّي ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينه، ولا إرادة سلطان ترفع به ذكري، ولكنّي أجبتك بخصال خمس: إنك ابن عم رسول اللّه، وأول من آمن به، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد، ووصيه، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول اللّه، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين سهماً في الجهاد. فلو أني كلّفت نقل الجبال الراوسي، ونزح البحور الطوامي، حتى يؤتى عليّ في أمر أقوي به وليّك، وأهين به عدوك، ما رأيت أني قد أدّيت فيه كل الذي يحق عليّ من حقك. فقال علي عليه السلام:
--> 346 ) ورد عنوان آية الجنة أيضا في حديث حذيفة بن اليمان، وأشار فيه إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. 347 ) الطبراني: المعجم الأوسط ٤/٢٤٠.والهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٩/٤٠٦ بتفصيله فيهما، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٥/٤٩٨ مقتصرا فيه على الجملة الأولى (أتحب أن أريك آية الجنة..) ثم ترك باقي الحديث وهكذا من جاء بعده فقد اقتصروا على الجملة الأولى، وتركوا باقي الحديث! وبعضهم فتش عن أحد رواته ليرميه بالضعف! وأما في المصادر الإمامية فقد نقله الشيخ المفيد في الاختصاص 27.